شرح حديث براءة النبي ممن أقام في بلاد الكفر

عن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: لا تراءى ناراهما .
رواه الترمذي وأبو داود واللفظ له والطبراني.

والبراءة في حديث النبي ليست البراءة من الكفر! بل براءة النصرة. فلو سكن مسلم بين أظهر المشركين ثم لحقه بأس، فليس له حق على النبي وعلى المسلمين، وليس عليهم أن ينصروه.

مذهب أئمة #أهل_السنة_والجماعة في الغناء والمعازف

- مذهب الإمام مالك

قال ابن أبي زيد في النوادر والزيادات، باب اللعب بالنرد والشطرنج وشبهه وذكر الغناء والمغنيات واللهو واللعب، ما نصه:

"قال ابن حبيب: ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من لعب بالنرد فقد عصي الله ورسوله وروي في التغليظ في اللعب بالميسر، يغني النرد والشطرنج، كثير، وكذلك أربعة عشلا وكل ما يلهي من طبل ومزمار وغيره من البرائط. وقيل إن ذلك من قول الله عز وجل (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) وقد كسر ابن عمر النرد علي رؤوس من رآه لعب بها. ومر بغلمان يلعبون بالكحة فأمر بها فدفنت وهي حفرة يلعب فيها بالحصي وشببه. ونهي علي بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهم عن الشطرنج والكعاب، ومن التابعين عدد كثير، ومنهم من كان لا يسلم عليهم وهم يلعبون بها. قال ابن حبيب: ولا خير في قليلها ولا في كثيرها، لا في الخلوة ولا في العامة، لا على التحارب ولا على غيره. وليزجر عنها الإمام ويعاقب بالضرب والحبس عليها، ويكسر ما ظفر به منها، ويسقط بذلك شهادته وإن لم يكن مدمنا. وقيل لمالك في غير كتاب ابن حبيب: أيسلم علي من لعب بها؟ قال: نعم أهل الإسلام، فإن فعل هذا ذهب كل مذهب. وروى أن النبى حرم الغناء وشراء المغنيات وتعليمهن وتلا (ومن الناس من يشترى لهو الحديث). وسمع ابن عمر زمارة راعى فعدل عن الطريق وجعل أصبعية فى أذنية فذهب حائدا عن الطريق. وسأل نافعا أتسمع؟ حتى قال لة لا، ففتح أذنية. قيل لمالك فيمن يمر بة مزمار أو غناء، فيجد لذة؟ قال: إذا كان جالسا فليقم ويذهب، وإن كان ماشيا فغما أن يقف أو يتقدم أو يتأخر. قال ابن حبيب: ومن علم جاريتة الغناء لم تجز شهادتة وإن لم يسمعها. وكذلك من حضر سماع ذلك وعرف بحبة. ولا يجوز لبائع المغنية أن يأخذ لغنائها ثمنا، فإن باع على ذلك رد البيع، فإن (فاتت) كان فيها قيمتها على أنها غير مغنية. وقال مالك وأصحابة المصريون: إذا باعها فليبين أمر غنائها، فإن لم يفعل فهو عيب ترد بة. قال ابن حبيب: وهذا عيب لا ينبغى ذكرة فى البيع لأن ذكرة اليوم زائد فى الثمن. وقد بيعت فى تركة فاطمة بنت طلحة الهاشمى بالمدينة بأمر القاضى جارية مغنية كتم غناءها فبلغت أربعمائة دينار، فأمر مالك أن تباع بالبراءة منة، فلما ذكر ذلك بلغت ألف دينار وأربعمائة دينار فصار ذكرة بيعا للغناء فلا يجوز ذكرة عندى، وليس بعيب عندى إذا كتمة. وقال ابن المواز: ليس لة بة رد. وقال سحنون: يكتم ذلك فى عقد البيع، فإذا انعقد البيع تبرأ منة، فإما رضى المبتاع أو رد. وإن كانت مشهورة بالبلد بيعت فى بلد لا تعرف فية على هذا المعنى. قال ابن حبيب: (وإن) لم يذكر غناؤها غير أنها قد عرفت وعرف أنة زيد فى ثمنها فلا يحل ذلك، وليبعها بموضع لا تعرف فية. وينبغى للإمام أن ينهى عن الغناء ويكسر جميع الملاهى من بوق ومزمار والعود والبرابط والمصافق وغيرها من أدوات اللعابين إلا الكبر والمزهر والدف، وفى الكبر (بعض) ما فية، والدف أخف من المزمر. وينهى الإمام عن اللعب بهم إلا فى العرس، فقد استخف ذلك فية لأشهارة ونهية عن ذلك فى غيرة، ويعاقب علية إلا الجوارى العواتق فى بيوتهن، فيكون ذلك لهن مثل ما هوفى العرس، ما لم يكن مع ذلك سواة من الملاهى الملهية فلا يجوز ذلك. وقال الحسن: إذا كان فى الوليمة برابط فلا دعوة لهم ولا نعمة عين. قال مالك والأوزاغى: إذا كان فيها لهو فارجع عنهم. ورجع ابن مسعود عن مثل ذلك وقال: قال النبى صلى اللة علية وسلم: من كثر سواد قوم كان منهم ومن رضى عمل قوم كان شريكهم فى عملهم وخرج أبو وائل لما رأى اللعابين" اهـ

وقال ابن أبي زيد، في باب جامع في المساجد وفيه شيء من ذكر الشعر، ما نصه:

"قال ابن حبيب: وإنما يكره من الشعر في المسجد وغيره مثل ما فيه الغناء والهجاء والباطل، ولا بأس بغير ذلك منه في المسجد وغيره، وقد أنشد حسان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ورأيت ابن الماجشون مع محمد بن عبد السلام ينشدان فيه الشعر، ويذكران أيام العرب، وقد كان اليربوعي والضحاك بن عثمان ينشدان فيه مالكا، ويحدثانه بأيام العرب، فيصغي إليهما". اهـ

وقال ابن أبي زيد، في باب شهادة أهل الأهواء، ما نصه:

"قال محمد بن عبد الحكم في اللاعب بالشطرنج: وإن كان يكثر ذلك حتى يشغله عن الصلوات في جماعة ويكثر ذلك، طرحت شهادته وإلا جازت، وأما النرد فلا نعلم من يلعب بها في وقتنا هذا إلا أهل السفه، ومن يترك المروءة، والمروءة من الدين فلا تقبل شهادته، ومن سمع ضرب العيدان وحضرها وإن لم يكن معه نبيذ [لم تجز شهادته إلا أن يحضرها في عرس أو صنيع فلا أبلغ بمطرح شهادته إذا لم يكن معه نبيذ يسكر] وليس الصنيع كغيره، وغيره ترد شهادته في الصنيع وغيره وإن كان مكروها على كل حال، ومن سمع رجلا يغني لم أرد بذلك شهادته إلا أن يكون مدمنا فيكون تاركا للمروءة وفعل أهل الدين، تترك بذلك شهادته، وإن كان معه شيء من الملاهي مثل الطبل والزمر ونحوه، وكان في غير صنيع، ردت بذلك شهادة من حضر، يريد: مختارا للحضور، ولا تجوز شهادة النوائح ولا من يغني بالجعل، ولا بالملاهي كلها بأجرة، وإن كان ذلك له صنعة يعرف بها ويدعى إليها فلا يجوز شهادته، وإن كان لا يأخذ على ذلك جعلا، وأكره قراءة القرآن بالألحان حتى يشبه الغناء. وأرد شهادة من فعل ذلك. قال ابن القرظى: وقد أختلف في رد شهادته، وإن كان الشاعر يقول السفه لم تجر شهادته، وأما إن وصف في شعره الخمر، أو وصف النساء بما يجوز له، لم ترد شهادته إن كان عدلا، وقد وصف حسان بن ثابت وغيره من الصحاب بمثل هذا في أشعارهم، وإن كان هذا مع لجاحه جهلا فلا تجوز شهادته". اهـ

- مذهب الإمام الشافعي

قال الشافعي، في الأم باب ما يجوز من الوصية في حال وما لا يجوز في أخرى، ما نصّه:

"ولو قال: أعطوه طبلا من طبولي وله الطبل الذي يضرب به للحرب والطبل الذي يضرب به للهو فإن كان الطبل الذي يضرب به للهو يصلح لشيء غير اللهو قيل: للورثة أعطوه أي الطبلين شئتم؛ لأن كلا يقع عليه اسم طبل، ولو لم يكن له إلا أحد الصنفين، لم يكن لهم أن يعطوه من الآخر وهكذا لو قال: أعطوه طبلا من مالي، ولا طبل له ابتاع له الورثة أي الطبلين شاءوا بما يجوز له فيه، وإن ابتاعوا له الطبل الذي يضرب به للحرب فمن أي عود، أو صفر شاءوا ابتاعوه ويبتاعونه وعليه أي جلد شاءوا مما يصلح على الطبول فإن أخذه بجلدة لا تعمل على الطبول لم يجز ذلك حتى يأخذوه بجلدة يتخذ مثلها على الطبول، وإن كانت أدنى من ذلك فإن اشترى له الطبل الذي يضرب به فكان يصلح لغير الضرب واشترى له طبلا فإن كان الجلدان اللذان يجعلان عليهما يصلحان لغير الضرب أخذ بجلدته، وإن كانا لا يصلحان لغير الضرب أخذ الطبلين بغير جلدين، وإن كان يقع على طبل الحرب اسم طبل بغير جلدة أخذته الورثة إن شاءوا بلا جلد، وإن كان الطبل الذي يضرب به لا يصلح إلا للضرب لم يكن للورثة أن يعطوه طبلا إلا طبلا للحرب كما لو كان أوصى له بأي دواب الأرض شاء الورثة لم يكن لهم أن يعطوه خنزيرا. ولو قال: أعطوه كبرا كان الكبر الذي يضرب به دون ما سواه من الطبول ودون الكبر الذي يتخذه النساء في رءوسهن؛ لأنهن إنما سمين ذلك كبرا تشبيها بهذا وكان القول فيه كما وصفت إن صلح لغير الضرب جازت الوصية، وإن لم يصلح إلا للضرب لم تجز عندي، ولو قال: أعطوه عودا من عيداني وله عيدان يضرب بها وعيدان قسي وعصي وغيرها فالعود إذا وجه به المتكلم للعود الذي يضرب به دون ما سواه مما يقع عليه اسم عود فإن كان العود يصلح لغير الضرب جازت الوصية، ولم يكن عليه إلا أقل ما يقع عليه اسم عود وأصغره بلا وتر، وإن كان لا يصلح إلا للضرب بطلت عندي الوصية وهكذا القول في المزامير كلها". اهـ

وقال الشافعي في الأم باب ما تجوز به شهادة أهل الأهواء، ما نصّه:

"(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): في الرجل يغني فيتخذ الغناء صناعته يؤتى عليه ويأتي له، ويكون منسوبا إليه مشهورا به معروفا، والمرأة، لا تجوز شهادة واحد منهما؛ وذلك أنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل، وأن من صنع هذا كان منسوبا إلى السفه وسقاطة المروءة، ومن رضي بهذا لنفسه كان مستخفا، وإن لم يكن محرما بين التحريم، ولو كان لا ينسب نفسه إليه، وكان إنما يعرف بأنه يطرب في الحال فيترنم فيها، ولا يأتي لذلك، ولا يؤتى عليه، ولا يرضى به لم يسقط هذا شهادته، وكذلك المرأة (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): في الرجل يتخذ الغلام والجارية المغنيين وكان يجمع عليهما، ويغشى لذلك فهذا سفه ترد به شهادته، وهو في الجارية أكثر من قبل أن فيه سفها ودياثة، وإن كان لا يجمع عليهما ولا يغشى لهما كرهت ذلك له، ولم يكن فيه ما ترد به شهادته (قال): وهكذا الرجل يغشى بيوت الغناء، ويغشاه المغنون إن كان لذلك مدمنا، وكان لذلك مستعلنا عليه مشهودا عليه فهي بمنزلة سفه ترد بها شهادته. وإن كان ذلك يقل منه لم ترد به شهادته لما وصفت من أن ذلك ليس بحرام بين. فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به قل أو كثر، وكذلك استماع الشعر أخبرنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة «عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال أردفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم قال: هيه فأنشدته بيتا. فقال: هيه فأنشدته حتى بلغت مائة بيت». (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحداء، والرجز، وأمر ابن رواحة في سفره فقال حرك القوم فاندفع يرتجز «، وأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركبا من بني تميم معهم حاد فأمرهم أن يحدوا، وقال إن حادينا وني من آخر الليل قالوا يا رسول الله نحن أول العرب حداء بالإبل قال وكيف ذلك؟ قالوا كانت العرب يغير بعضها على بعض فأغار رجل منا فاستاق إبلا فتبددت فغضب على غلامه فضربه بالعصا فأصاب يده فقال الغلام: وايداه، وايداه قال فجعلت الإبل تجتمع قال فقال هكذا فافعل قال والنبي - صلى الله عليه وسلم - يضحك فقال ممن أنتم؟ قالوا نحن من مضر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونحن من مضر» فانتسب تلك الليلة حتى بلغ في النسبة إلى مضر (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فالحداء مثل الكلام، والحديث المحسن باللفظ، وإذا كان هذا هكذا في الشعر كان تحسين الصوت بذكر الله والقرآن أولى أن يكون محبوبا فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن» وأنه «سمع عبد الله بن قيس يقرأ فقال لقد أوتي هذا من مزامير آل داود»". اهـ

- مذهب الإمام أحمد بن حنبل

قال في الجامع لعلوم الإمام أحمد، ما نصّه:

جاء في ذكر الغناء وإنكاره:

"قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: رجل له بنات يريد أن يبيع داره ويشتري المغنيات، لابنه أن يمنعه؟ قال: أرى أن يمنعه، ويحجر عليه. "الورع" قال حرب: وسمعت أحمد يستحب ضرب الدف والصوت في الملاك. قيل: الصوت ما هو؟ فقال: الصوت أن يحدث به ويتكلم به، ويظهر ويبسم، وقال: لا أقول كما يقول قوم. قال: وأهل المدينة يسهلون فيه -يعني: الغناء. "مسائل حرب" قال عبد اللَّه: سألت أبي عن الغناءِ؟ فقال: الغناءُ ينبتُ النفاق في القلب، لا يعجبني."مسائل عبد اللَّه" و"العلل" رواية عبد اللَّه قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لو أن رجلًا عمل بكل رُخصة: بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع -يعني: الغناءَ- وأهل مكة في المتعة -أو كما قال أبي- كان به فاسقًا. "مسائل عبد اللَّه" و"العلل" رواية عبدالله. قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناءِ، فقال: إنما يفعله عندنا الفسَّاق."العلل" رواية عبد اللَّه قال الخلال: قال أبو عبد الرحمن: ووجدت في كتاب أبي: ثنا أبو معاوية الغلابي قال: حدثني خالد بن الحارث قال: قال سليمان التَّيمي: لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. "الأمر بالمعروف" للخلال".

وجاء في باب ذكر المزمار: 

"قال الخلال: أخبرني عبد اللَّه بن عبد الحميد، حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه، وسأله عن الرجل ينفخ في المزمار؟ فقال: أكرهه، ليس به عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث زمَّارة الراعي فقلت: أليس هو منكرًا؟ فقال: سليمان بن موسى يرويه عن نافع، عن ابن عمر، ثم قال: أكرهه. "الأمر بالمعروف" للخلال. وسأله ابن الحكم عن النفخ في القصبة كالمزمار؟ قال: أكرهه. "الفروع" وفي ذكر غنائهم الذي كانوا يغنون قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدثهم قال: قلت لأبي عبد اللَّه: حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة. وهشام، عن أبيه، عن عائشة، عن جوار يغنين. أيش هذا الغناء؟ قال: غناء الركب: أتيناكم. وقال: وأخبرني منصور بن جعفر حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه سئل عن حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة في لعب الحبشة في المسجد؟ فلم يجب عنه. "الأمر بالمعروف" للخلال".

وجاء في باب ذكر القصائد: 

"قال الخلال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي أن أبا عبد اللَّه سئل عن إسماع القصائد، فقال: أكرهه. وقال: أخبرني محمد بن موسى قال: سمعت عبدان الحذَّاء قال: سمعت عبد الرحمن المتطبِّب قال: سألت أحمد بن حنبل قلت: ما تقول في أهل القصائد؟ قال: بدعة، لا يُجالسون. "الأمر بالمعروف" للخلال".

وجاء في ذكر التغبير: 

"قال أبو داود: سمحت رجلًا ضريرًا قال لأحمد: ما تقول في التغبير؟ فقال: لا يعجبني. "مسائل أبي داود" قال البغوي: وسئل أحمد -وأنا أسمع- عن التغبير؟ فقال: لا يعجبني. "مسائل البغوي". قال الخلال: حدثنا صالح بن علي الحلبي، عن ميمون بن مهران قال: سمعت أحمد بن حنبل وجعل الناس يسألونه عن التغبير وهو ساكت حتى دخل منزله. وقال: وأخبرني محمد بن علي والحسين بن عبد اللَّه أن محمد بن حرب حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه عن التغبير، فقال: كل شيءٍ محدث، كأنه كرهه. وقال: وأخبرني محمد بن علي أن أبا بكر الأثرم حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: التغبير هو محدثةٌ. وقال: وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه: ما ترى في التغبير أنه يرقق القلب؟ فقال: بدعة. وقال: أنا الحسين بن صالح العطار، حدثنا هارون بن يعقوب الهاشمي قال: سمعت أبي أنه سأل أبا عبد اللَّه عن التغبير؟ فقال: هو بدعة ومحدث. وقال: وأخبرني محمد بن علي السمسار، أن يعقوب بن بختان، أنه سأل أبا عبد اللَّه عن التغبير فكرهه، ونهى عن استماعه. قال الخلال: وأخبرني إسماعيل بن إسحاق الثقفي، أن أبا عبد اللَّه سئل عن استماع التغبير، فكرهه. "الأمر بالمعروف" للخلال . نقل إبراهيم بن عبد اللَّه القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم أقوامًا أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحون مع اللَّه ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه، فقال: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: ٤٧]. ونقل يوسف عنه: لا يستمعه. قيل: هو بدعة؟ قال: حسبك. "الفروع"".

قلت: وهذا يعني أن الغناء والمعازف، مكروه كراهة شديدة عند أئمة السنة الكبار، إلا في الأعراس والأعياد، فضلا عن أن يتخذ عبادة يُتقرَّب إلى الله تعالى به، فمن أجاز الغناء أو استحبه أو جعله دينا يتقرب لله به، فليس من هذه المذاهب الثلاث في شيء، وهذه المذاهب منه براء.

- مذهب أبي حنيفة

قال الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، كتاب الإجارة، فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة، ما نصه:

"وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْمَعَاصِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَقْدُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ شَرْعًا كَاسْتِئْجَارِ الْإِنْسَانِ لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ، وَكَاسْتِئْجَارِ الْمُغَنِّيَةِ، وَالنَّائِحَةِ لِلْغِنَاءِ، وَالنَّوْحِ بِخِلَافِ الِاسْتِئْجَارِ لِكِتَابَةِ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ أَنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ عَنْهُ نَفْسُ الْغِنَاءِ، وَالنَّوْحِ لَا كِتَابَتُهُمَا".

وقال في كتاب الاستحسان، ما نصّه:

"رَجُلٌ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ وَهُنَاكَ لَعِبٌ أَوْ غِنَاءٌ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ هَذَا فِي الْأَصْلِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَنَّ هُنَاكَ ذَاكَ وَإِمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَإِنْ كَانَ مِنْ غَالِبِ رَأْيِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ يُجِيبُ لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَى مَسْنُونَةٌ قَالَ النَّبِيُّ ﵊ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» وَتَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ مَفْرُوضٌ فَكَانَ فِي الْإِجَابَةِ إقَامَةُ الْفَرْضِ وَمُرَاعَاةُ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ لَا بَأْسَ بِالْإِجَابَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ مَسْنُونَةٌ وَلَا تُتْرَكُ السُّنَّةُ لِمَعْصِيَةٍ تُوجَدُ مِنْ الْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ تَشْيِيعُ الْجِنَازَةِ وَشُهُودُ الْمَأْتَمِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَعْصِيَةٌ مِنْ النِّيَاحَةِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ كَذَا هَهُنَا. وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ الْمَدْعُوُّ إمَامًا يُقْتَدَى بِهِ بِحَيْثُ يُحْتَرَمُ وَيُحْتَشَمُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَتَرْكُ الْإِجَابَةِ وَالْقُعُودِ عَنْهَا أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى ذَهَبَ فَوَجَدَ هُنَاكَ لَعِبًا أَوْ غِنَاءً فَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّغْيِيرُ غَيَّرَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ اُبْتُلِيت بِهَذَا مَرَّةً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ لَأَجْلِ مَعْصِيَةٍ تُوجَدُ مِنْ الْغَيْرِ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى دَخَلَ فَإِنْ عَلِمَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ يَرْجِعْ وَلَا يَدْخُلُ وَقِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَمْكُثُ بَلْ يَخْرُجُ لِأَنَّ فِي الْمُكْثِ اسْتِخْفَافًا بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَتَجْرِئَةً لِأَهْلِ الْفِسْقِ عَلَى الْفِسْقِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَصَبْرُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ لَمْ يَصِرْ فِيهِ مُقْتَدًى بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَوْ صَارَ لَمَا صَبَرَ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْغِنَاءِ مَعْصِيَةٌ وَكَذَا الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ وَكَذَا ضَرْبُ الْقَصَبِ وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ سَمَّاهُ ابْتِلَاءً"ز

وقال في كتاب البيع، فصل في شرائط الصحة في البيوع، ما نصّه:

"وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ عَلَى سَبِيلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ التَّغْنِيَةَ صِفَةٌ مَحْظُورَةٌ لِكَوْنِهَا لَهْوًا فَشَرْطُهَا فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ فَسَادَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ عَلَى وَجْهِ إظْهَارِ الْعَيْبِ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ هَذَا الْعَيْبِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ عَيْبٍ آخَرَ فَإِنْ وَجَدَهَا لَا تُغَنِّي لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ فِي الْجَوَارِي عَيْبٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ فَوَجَدَهُ سَلِيمًا".

وقال في كتاب البيع، فصل في شرائط الصحة في البيوع، ما نصّه:

"إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ عَلَى سَبِيلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْغِنَاءِ جِهَةُ التَّلَهِّي فَاشْتِرَاطُهَا فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ الْفَسَادَ".

وقال في كتاب السير، فصل في بيان حكم الغنائم وما يتصل بها، ما نصّه:

"(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يُؤْخَذُ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَمَا يَتَعَرَّضُ لَهُ وَمَا لَا يَتَعَرَّضُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ" .. إلى أن قال: "وَكَذَا الْمَزَامِيرُ وَالْعِيدَانُ، وَالطُّبُولُ فِي الْغِنَاءِ، وَاللَّعِبُ بِالْحَمَامِ، وَنَظِيرُهَا، يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَمَا نَعْتَقِدُهَا نَحْنُ".

وقال في كتاب الغصب، فصل في بيان شروط وجوب ضمان الإتلاف، ما نصّه:

"وَلَوْ قَتَلَ جَارِيَةً مُغَنِّيَةً ضَمِنَ قِيمَتَهَا غَيْرَ مُغَنِّيَةٍ؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ لَا قِيمَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ".

وقال ابن مازه البخاري، في المحيط البرهاني، كتاب الاستحسان والكراهية، الفصل الرابع عشر في الكسب، ما نصّه:

"وفي «فتاوى أهل سمرقند» : استأجر رجلاً لضرب الطبل؛ إن كان للهو لا يجوز؛ لأنه معصية، وإن كان للعدو والقافلة يجوز؛ لأنه طاعة. وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد امرأة نائحة، أو صاحب طبل أو مزمار اكتسب قال: إن كان على شرط رده على أصحابهم إن عرفهم يريد بقوله على شرط إن شرطوا لها أو له مالاً بإزاء النياحة أو بإزاء الغناء؛ وهذا لأنه إذا كان الأخذ على شرط كان المال بمقابلة المعصية، فكان الأجر معصية، والسبيل في المعاصي ردها، ولذلك ههنا يرد المأخوذ إن تمكن من رده بأن عرف صاحبه، وبالتصدق منه إن لم يعرفه ليصل إليه نفع ماله إن كان لا يصل إليه عين ماله؛ أما إذا لم يكن الأخذ على شرط لم يكن الأخذ بمعصية، والرفع حصل عن المالك برضاه فيكون له (٩٢ب٢) ويكون حلالاً له".

وقال في كتاب الاستحسان والكراهية، الفصل الثامن عشر في الغناء، واللهو، وسائر المعاصي، والأمر بالمعروف، ما نصه:

"ذكر محمد رحمه الله في «السير الكبير» عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو كان يتغنى، قوله: وهو يتغنى بظاهره حجة لمن قال: لا بأس للإنسان أن يتغنى إذا كان يسمع ويؤنِّس نفسه، وإنما يكره إذا كان يسمع ويؤنس غيره، ومن الناس من يقول: لا بأس به في الأعراس والوليمة، ألا ترى أنه لا بأس بضرب الدفوف في الأعراس والوليمة، وإن كان ذلك نوع لهوٍ وإنما لم يكن به بأس؛ لأن فيه إظهار النكاح وإعلانه، وبه أمر صاحب الشرع حيث قال: «أعلنوا النكاح، ولو بالدف» فكذلك التغني، ومنهم من قال: إن كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به، ومنهم من قال: إذا كان وحده فغنى لدفع الوحشة عن نفسه فلا بأس به، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، وإنما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وذكر شيخ الإسلام أن جميع ذلك مكروه عند علمائنا، ويحتج بظاهر قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} (لقمان: ٦) جاء في التفسير أن المراد منه الغناء، وحديث البراء بن مالك محمول على أنه كان ينشد الشعر المباح، يعني الشعر الذي فيه الوعظ والحكمة؛ وهذا لأن الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره، قال عليه السلام: «من لم يتغن بالقرآن (٩٥أ٢) فليس منا» . قلنا: وإنشاد ما هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإذا كان في الشعر صفة المرأة إن كانت امرأة بعينها، وهي حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره، وإن كانت امرأة وسيمة لا يكره؛ هذه الجملة من شرح «السير الكبير» . وفي «فتاوى أهل سمرقند» استماع صوت الملاهي كالضرب بالقصب، وغير ذلك من الملاهي حرام، وقد قال عليه السلام: «استماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها من الكفر» وهكذا خرج على وجه التشديد بعظم الذنب؛ قالوا: إلا أن يسمع نفسه فيكون معذوراً، والواجب على كل أحد أن يجتهد حتى لا يسمع. روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه: في الرجل يدعى إلى وليمة أو طعام، فوجد ثمة لعباً أو غناء، فلا بأس بأن يقعد ويأكل؛ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: ابتليت بذلك مرة. واعلم بأن هذه المسألة على وجهين: الأول: أن يكون اللعب والغناء على المائدة، وفي هذا الوجه لا ينبغي له أن يقعد لقوله تعالى: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (الأنعام: ٦٨) ، وكذلك إذا كان على المائدة قوم يشربون الخمر، فلا ينبغي له أن يقعد، فقد صح أن رسول الله عليه السلام نهى أن يتناول الطعام في مجلس يشرب فيه الشراب، وكذلك إذا كان على المائدة قوم يغتابون لا يقعد، والغيبة أشد من اللهو واللعب؛ لأنها أشد من الزنا؛ قال عليه السلام: «الغيبة شر من الزنا» . والوجه الثاني: أن يكون اللعب والغناء في المنزل، وفي هذا الوجه لا بأس بأن يقعد على المائدة ويأكل، وهو المراد من المذكور في «الكتاب» ، قيل: هذا إذا كان الرجل ذا حشمة يتركون ما هم عليه بحشمته، فأما إذا لم يكن بهذه الصفة لا ينبغي أن يقعد ويأكل بل يعرض عنهم، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه: ابتليت بهذا مرة يحمل أنه كان بعدما صار ذا حشمة، وعلى قياس هذا القول ينبغي أن يقال في الوجه الأول: إذا كان الرجل ذا حشمة يتركون ما هم عليه لحشمته لا بأس بأن يقعد ويأكل؛ بل القعود أولى ليصير ذلك سبباً لامتناعهم عن المعصية، وقيل أيضاً: ما ذكر في الوجه الثاني أن يقعد محمول على ما إذا كان الرجل خامل الذكر، ولا يقتدى به؛ أما إذا كان عالماً ويقتدى به لا يقعد ولا يأكل حتى لا يصير قدوة للشر، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه ابتليت بهذا مرة؛ محمول على أنه كان قبل أن يصير معتداً، وقيل: يقعد في الوجه الثاني على كل حال، وإطلاق محمد رحمه الله في «الكتاب» يدل عليه، وجه ذلك أن التناول من الوليمة والضيافة سنة، واللعب والغناء حرام، يباشره غيره، ولا يجوز ترك سنة لحرام يباشره غيره، إلا إذا كان في المجلس كما في الوجه الأول، ولم يوجد ذلك ههنا، وهذا كله إذا علم بعد الحضور، فإذا علم قبل الحضور لا يحضر أصلاً، وقد قيل: لو كان هذا الرجل بحال يمتنعون عن الفسق لو امتنع هو عن الإجابة يفترض عليه الامتناع عن الإجابة، وإن كان بحال لا يمتنعون عن الفسق لو امتنع عن الإجابة لا بأس بأن يجيب ويطعم منكراً للهو غير مصغ إليه. وفي «النوازل» : قراءة شعر الأدب إذا كان فيه ذكر الخمر والفسق والغلام يكره، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في أول هذا الفصل، والاعتماد في الغلام على ما ذكرنا في المرأة ثمة".

وقال في كتاب الغصب، الفصل الرابع في كيفية الضمان، ما نصّه:

"وإن قتل جارية مغنية ضمن قيمتها غير مغنية، إلا أن يكون الغناء نقصاً فأقومها على ذلك سواء وإن كانت الجارية حسن الصوت؛ إلا أنها لا تغني، فهو على حسن الصوت".

وقال ابن مازه، في كتاب الشهادات، الفصل الثالث: في بيان من تقبل شهادته ومن لا تقبل، ما نصّه:

"ولا تقبل شهادة المغنيِّ والمغنيّة إذا كان يجمع الناس ويؤنسهم، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ؛ لأنه ملعون على لسان صاحب الشرع، قال عليه السلام: «لعن المغنيات» ومن يكون ملعوناً على لسان صاحب الشرع يكون ساقط شهادة لا محالة، قال: فأما إذا كان لا يسمع غيره ولكن يسمع نفسه لإزالة الوحشة قبلت شهادته، يجب أن يعلم بأن المغني لإجماع الغير وإيناسه مكروه عند عامة المشايخ، ومن الناس من جوز ذلك في العرس والوليمة، ألا ترى أنّه لا بأس بضرب الدف في العرس والوليمة وإن كان فيه نوع لهو، وإنما لم يكن به بأس؛ لأن فيه إظهار النكاح وإعلانه، وبه أمرنا صاحب الشرع، قال عليه السلام: «أعلنوا النكاح ولو بالدف» فكذا التغني، ومنهم من قال: إذا كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به. وأما التغني لإسماع نفسه ودفع الوحشة عن نفسه، هل هو مكروه؟ فقد اختلف المشايخ، منهم من قال: لا يكره، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وإنما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وهذا القائل يحتج بما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو كان يتغنى، والبراء من زهاد الصحابة، ومن المشايخ من قال: جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده، وهذا القائل يحمل حديث البراء على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وهذا لأن اسم الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره، قال عليه السلام: «من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا» قلنا: وإنشادنا هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإذا كان في الشعر صفة المرأة إن كانت امرأة بعينها وكانت حية يكره، وإن كانت ميتة أو كانت امرأة مرسلة لا يكره. وكذلك لا تقبل شهادة النائحات، ولم يرد به التي تنوح في مصيبتها، وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها، اتخذت ذلك مكسبة، وهذا لقوله عليه السلام: «لعن الله النائحات» ولأنها لما ارتكبت ما لا يحل في الشرع، وهو الغناء والنوح لطمعها في المال، لا تؤمن من أن ترتكب شهادة الزور لأجل المال، فذلك أيسر عليها من الغناء والنوح في مدة طويلة".

الجمع بين حديثين ظاهرهما التعارض

ع َنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: 

"لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا". قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ. قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا". 

رواه ابن ماجه بسند صحيح.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: 

"كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه".

رواه البخاري ومسلم.

قلت: والجمع بين الحديثين، أن الأول كان من عادته انتهاك حُرُمات الله تعالى إذا خلا بها، فهو صاحب إصرار على الذنب، لا يندم ولا يتحسّر، ولا يتق الله تعالى أبدا. وهذا الصنف ينطبق عليهم ما رواه عبدالله في زوائد الزهد لأبيه، عن أبي العالية قال : "يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة إن قصروا عما أمروا به قالوا : إن الله غفور رحيم ، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا : سيغفر لنا إنا لم نشرك بالله شيئا ، أمرهم كله طمع ليس معه صدق يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أفضلهم في دينه المداهن" .

وأما الثاني، فهو يواقع الذنب بين الفينة والأخرى، يجتهد في عِصْمَة نفسه أحياناً كثيرة، وتغلبه نفسه أحياناً، فهذا عليه أن يستر نفسه ويسارع للتوبة، وأن لا يخبر أحداً بما جنته نفسه، ولو على سبيل التحسُّر والتندُمّ.

والنبي صلى الله عليه وسلم، تكلم في كل موضِعٍ بما يناسبه من الأحكام.

القرآن والسنة حجّة في كل زمان ومكان

القرآن والسنة حجّة في كلّ زمان ومكان.

وذلك أن الله تبارك وتعالى، جعل القرآن تبياناً لكل شيء.

فقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ءَایَـٰتِۭ بَیِّنَـٰت وَمَا یَكۡفُرُ بِهَاۤ إِلَّا ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [البقرة ٩٩]

وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ تِبۡیَـٰنا لِّكُلِّ شَیۡء وَهُدى وَرَحۡمَة وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [النحل ٨٩]

وقوله تعالى: (لكل شيء) أي: لكل شيء يخصّ الدين. من خلق هذا الكون، ولماذا خلقه، وما هو المطلوب من هذا الخلق، وما هو مصير المخلوقات.

في آيات كثيرة يصف الله تبارك وتعالى كتابه وآياته بأنها بيان.

فالقرآن بيان، والنبي صلى الله عليه وسلم مُبيِّن.

قال تعالى: ﴿بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل ٤٤]

وقال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَیِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِی ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ وَهُدى وَرَحۡمَة لِّقَوۡم یُؤۡمِنُونَ﴾ [النحل ٦٤]

فالنبي يبيّن للناس عن ربهم ما نُزِّل إليهم، بمعنى يقرأه عليهم. 

ويبيّنه لهم، بمعنى أنه يشرح لهم كيفية إقامة العبادات المفروضة عليهم. 

وقد بيّن ربّنا عز وجل، مسائل العقيدة خير بيان، في توحيد الملك والخلق والأمر والتدبير والعبادة.

وما سكت الله تبارك وتعالى عن تفصيله وبيانه من مسائل العقيدة، فإنما لكون العقل الصحيح والفطرة السليمة قد جرت ببيانه، فلم يعد في حاجة إلى بيان أخر.

مثال ذلك: عندما يوبخ الله تبارك وتعالى المشركين في دعائهم غيره، ثم لا يفصّل سبحانه وتعالى لنا، الدعاء الذي يجب ألا يصرف إلّا له سبحانه، والدعاء الذي يجوز صرفه لغيره، فهذا لكون العقل الصحيح والفطرة السليمة قد جرت ببيانه، فلا يحتاج إلى بيانٍ من الله تعالى.

وأما العبادات والمعاملات وغير ذلك من الشرائع، فقد بيّن الله تعالى ما افترضه على عباده من العبادات، وما أحلّه وما حرّمه عليهم من المعاملات، بإجمال، وأوكل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم شرح ذلك وبيان كيفيّته.

ثم تكفّل عز وجل بحفظ القرآن الكريم.

فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر ٩]

وهذا بدليل النقل.

وأما بدليل العقل، فلأن القرآن هو خاتم الكتب، كما أن النبي محمد هو خاتم الرُسُل، 

فلو لم يحفظ الله تعالى القرآن الكريم، لحتاج الناس إلى نبيٍّ يُجدِّد لهم نصّ القرآن، أو يأتي لهم بقرآن أخر، بنصٍّ أخر، 

وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والرسل، فلن يكون هناك نبي أو رسول بعده، فلن يكون هناك نبيٌّ يُجدّد لنا نصّ القرآن إذا ما تعرّض نصّه للتحريف والتبديل والزيادة والنقصان، أو يأتي بقرآن جديد بنصّ جديد، فلزم هنا أن يكون القرآن محفوظاً، ليكون حجّة على الخلق إلى قيام الساعة.

وما حفظ الله تعالى القرآن الكريم، وما قيّظ للسُنَّة النبويّة من يجمعها، ويغربلها، إلّا لتكون حجّة على الناس في كلّ زمان ومكان.

ولو لم يكن القرآن والسنة، حجة في كل زمان ومكان، لكان أحق الناس بالعذر، وألا يكون القرآن والسنّة حجة عليهم، هم مشركو قريشٍ والعرب.

فإن لم يكن لهؤلاء عذرٌ بعد القرآن والسنّة، فليس لأحدٍ بعدهم عذر، بعد القرآن والسنّة.

والقرآن والسنة، زيادة حجّة في المسائل الثابتة بالعقل الصحيح والفِطرة السليمة.

أقول: زيادة حجّة، وإلا فحجة العقل والفطرة قائمة في هذه المسائل من دون القرآن والسنة.

فالمشرك الشرك الأكبر سواء قرأ القرآن أو لم يقرأه، وسواء سمع بالإسلام أو لم يسمع به، فقد قامت عليه الحجة بالعقل الصحيح والفطرة السليمة، وبآيات الله في الآفاق وفي نفسه، وبالميثاق الأول، الذي أخذه الله تبارك وتعالى على بني آدم قبل أن يخلق أجسادهم.

قد يقول البعض: الميثاق الأول نسيَه الناس، والله بعث الرسل ليذكروا الناس الميثاق الأول، فكيف يكون حجة هنا؟

فالجواب على ذلك: لولا أن الميثاق الأول ليس حجة على الناس، لما أخذه الله تبارك وتعالى على عباده قبل أن يخلقهم، لأن الله حكيم، ولا يفعل شيئاً إلا لحكمة، فمحالٌ أن نقول بأن الله تعالى أخذ الميثاق الأول على خلقه هكذا عبثاً، لأنه لو لم يكن حجة على الخلق، لكان أخذه عليهم أوّل مرة عبث، والله يتعالى عن ذلك سبحانه. 

ولكن إذا سمع المشرك بالقرآن والسنة، ثم أعرض عنها، ولم يأبه بها، ولهى عنها، فقد ازدادت حجج الله تعالى عليه.

وهذا في المشرك الذي لا يعرف الإسلام ولم يسمع به، أو لا ينتسب إلى الإسلام، ولكنه يسمع به.

أما الصوفي المشرك والرافضي المشرك، فهذا قد سمع بالقرآن والسنة، فقد ازدادت حجج الله عليه.

ولا يعذر المشرك في هذا الباب بأي حال من الأحوال، حتى لو كان أعجميّاً أو أمّيّاً.

لأنا قلنا بأن الحجة قائمة عليه بدون كتاب أو سنّة.

فلا عُذر له في أعجميَّته ولا في أُمِّيَتِهِ.

وهو مطالب بأن يُعْمِل فِكره وعقله، ولا يكون مقلّداً جامداً، ولا إمعة هائماً.

فإن الله تعالى وهب عباده أدمغة يفكِّرون بها وقلوباً يعقلون بها، فمن عطّل فكره وعقله، فهو الجاني على نفسه.

وهنا سؤال: ما حال الرجل أو المرأة، اللذين لم يسمعا بالإسلام، ولا بالقرآن والسنة؟

فالجواب: مثل هذا النوع من الناس، مطالبون يإعمال أدمغتهم وقلوبهم، وفِكرهم وعقولهم، وما فطرهم الله عليه من الإيمان بوجوده سبحانه، وأنه المتفرد بالملك والخلق والأمر والتدبير، وأنه الواحد الذي يجب أن تصرف له العبادة الشرعية من الدعاء وغيره.

وعندي أن الرجل أو المرأة، اللذين لم يبلغهما الإسلام، ولم يسمعا به، ولكنهما أعملا فكرهما وعقولهما، وما فطرهم الله عليه من الإيمان بالله وبتفرده بالملك والخلق والأمر والتدبير، وصرفا العبادة له وحده، من الدعاء وغيره، وإن لم يعرفا الإسلام ولا شرائعه، أنهم من الناجين يوم القيامة بإذن الله تعالى، وأنهما مسلمان بما معهما من الإسلام والإيمان بحول الله وقوته.

وذلك قياساً على زيد بن نفيل العدوي القرشي رحمه الله.

ولكن القرآن والسنة، حجة في المسائل الخبريّة، التي لا يمكن معرفتها إلا بالخبر عن الله أو عن رسوله.

وهذا لا يقع إلا للمسلمين.

لأنهم مطالبون بتعلّم أمور دينهم، فمن قصَّر في ذلك، فهو الجاني على نفسه.

فإن كان قارئا لزمه قراءة القرآن والسنة.

ومن لم يكن قارئاً لزمه سماع القرآن والسنة.

وإن كان أعجميَّاً لزمه أن يبحث عمّن يترجم له القرآن والسنة ترجمة صحيحة.

وذلك حتى يعرفوا دينهم.

وليس لأحد عذر في هذا الأمر سوى ثلاثة:

الأول: المسلم الأعجمي، الذي لم يجد من يُترجم له القرآن والسنة، ترجمة صحيحة. 

فإن وجد من يُترجم له القرآن والسنة ترجمة صحيحة، فقد سقط عذره.

ما لم يكن هذا المترجم خائناً، فيترجم له غير القرآن والسنة، أو يترجم له ما يشاء منهما، ويدع ما يشاء، فهؤلاء معذورون، والوزر عليه، ما لم يطيعوه في الشرك الأكبر، لأنهم عندئذ، مطالبون بإعمال أفكارهم وعقولهم.

والثاني: المسلم الأمي، الذي لم يجد من يقرأ له القرآن والسنة، كمن يعيش في مكان بعيد، وكل من حوله أمّيون مثله، ولا يحفظون القرآن والسنة.

فإن وجد من يقرأ عليهم القرآن والسنة، فقد سقط عذرهم.

ما لم يكن هذا القارئ خائناً، فيتلوا عليهم غير القرآن والسنة، أو يملي لهم ما يشاء منه، ويدع ما يشاء، فهؤلاء معذورون، والوزر عليه، ما لم يطيعوه في الشرك الأكبر، لأنهم عندئذ، مطالبون بإعمال أفكارهم وعقولهم.

وهذا مثل من يخبر الناس بخبر واقعة من الوقائع، فيخلط لهم الصدق بالكذب، في شأن هذه الوقعة، فقد يضع لهم ويزيد لهم في خبر الواقعة، ما لا يقبله العقل، فإن قبلوا ذلك منه، كان اللوم عليهم، ولنُسِب ذلك إلى قِلّة عقولهم، وبلادة فهومهم، واعتُبِر ذلك قدحاً فيهم، ومذمة لهم.

لذلك عندما يثق الناس في شخص من الأشخاص، في شأن دينهم، فيأتي لهم بما لا يقبله عقل صحيح ولا فطرة سليمة، ثم تابعوه عليه، ووافقوه عليه، فهذا دليل على قلّة عقولهم، وبلادة فهومهم، وكان اللوم واقع عليهم، لأن ما قبلوه منه، لا يقبله عقل صحيح ولا فطرة سليمة.

والثالث: الأعمى الأصم، الذي لا يرى ولا يسمع، ولا يمكن تعليمه بوجه من الوجوه، وعادة هذا النوع من البشر، يكون مسلماً بالفطرة، وحكمه حكم المولود الذي مات قبل أن يصل إلى سنٍ يعرب فيه عن نفسه،

لأنه باقٍ على خِلقتِه، لم يتمكن الكفّار من تلقينه كفرهم، ولا تمكن المسلمون من تلقينه شرائع الإسلام التي افترضها الله عليه.

والرابع: الأعجمي أو الأمّي، الذي بلغه الخبر، وتليت عليه آيات القرآن وأحاديث النبي، ولكنه شك في صدق المُخبِر، وخشي أن يكون كذَبَ عليه،

فهذا له حالان:

الأولى: أن يهتم لهذا الأمر، ويجتهد في التثبت من صحته، فهذا أرجوا أن يكون معفوّاً عنه، إن هلك قبل أن يتحقق من صحة ما أُخبِر به، لأنه لم يعرض ولم يهمل ولم يشتغل عن البحث عن الحق.

والثاني: ألا يهتم بهذا الأمر، ولا يجتهد في البحث عن صحته، بل يعرض ويهمل وينشغل عنه، فهذا غير معفوٍّ عنه، لأنه معرض مهمل لا يهتم بأمر دينه.

وهناك حالة رابعة، وهي: أن تقع مخالفة المسلم والمسلمة، في أمر يشتبه عليهم حكمه، كون ظاهر الأدلة قد يكون موافقاً لما وقعوا فيه من مخالفة، فإن كان خطؤهم في هذه المسألة ليس عن إعراض وتكبّر وتعمّد وإصرار، فهؤلاء نرجو أن يعفو الله عنهم، وأما إن أعرضوا عن الحق، وهم عالمون به، موقنون بخطئهم فيه، فهؤلاء حكمهم حكم المكّذب لله ولرسوله، والمُكذّب لله ولرسوله كافر.

وكلّ الناس مطالبون بمعرفة الإسلام وتعلُّم شرائعه، كل بحسبه، وجهده وطاقته.

لو لم يقدر من معرفة الإسلام وشرائعه، إلا على معرفة توحيد الربوبية والألوهية.

وهذا أمرٌ مُسَلَّمٌ به.

ذلك أن الإنسان لا ينتظر من أحدٍ أن يجلب له رزقه، بل يسعى هو في طلب الرزق، وتعلّم صنعة يكسب منها رزقه. فكيف يهتمّ بأمر رزقه ولا يهتم بأمر دينه؟!

ولو أن شخصاً أهمل في طلب الرزق أو تعلّم صنعة يكسب منها رزقه، للامه الناس على ما هو فيه من فقر وحاجة، ولنسبوا ذلك إلى تقصيره في طلب الرزق، وتعلّم صنعة يكسب منها رزقه.

وإن لام الناس من يحيط بهذا الشخص على ما عليه هذا الشخص من فقر وحاجة، فإنما يلومونهم على أنهم لم يقوموا بتحفيزه على طلب الرزق وتعلم صنعة يكسب منها رزقه.

ولكن عندما يكون الأمر متعلِّقاً بالدين وشرائعه، تجد الشيطان يقلب الأمر عند الناس رأساً على عقِب، فتجدهم يتوسّعون توسّعاً فاحشاً في الأعذار.

ويحمّلون العلماء والدعاة كلّ اللوم، على عدم دعوتهم للناس وتحفيزهم على اتباع الحق، وتعليمهم أمور دينهم.

ولو سُئِل كافرٌ أو مبتدع أو جاهل، عن سبب وقوعه في الكفر أو البِدعة أو الجهل، لقال: لم يأتني داعيةٌ إلى الحق أو عالمٌ يُعلّمني خطئي فيما خالفت فيه، أو يعلّمني أمور ديني!

وهو في الحقيقة، إنما يبحث عمن يتحمّل عنه، وزر تقصيره في طلب الحق والعلم.

أو يكون المتصدر للتعليم في بلده كفّاراً أو مبتدعة، فيقول: اتبعت علماء بلدي!

حسناً أوليس لك عقل تميّز به بين الصح والخطأ والحق والباطل والصدق والكذب!

ولكنه كما قال أحد كبار السن من بادية نجد: ما فيه شي اسمه فلان خرّبني، أنت حمار ولقيت من يسوقك.

وخرّبني في العاميّة النجديّة تعني: أفسدني.

ولقِيت، أي: وجدتَ.

فهذا الأعرابي النجدي، لما كان ذهنه نقيّاً، ولم يتلقى تلك الأعذار السخيفة ممن ينتسب إلى العِلم والعلماء، أبان عن الحق، وأن هناك ما يدرك حسنه أو قبحه بالعقل الصحيح والفطرة السليمة، ولذلك فإن اللوم يقع على عاتق المقلِّد والمتابع، كونه رضي بما أملاه عليه المُقلَّد والمتبوع، معطِّلاً فكره وعقله.

فالحقّ أن يُحمَّل الكافر أو المبتدع أو الجاهل، اللوم كاملاً على ما هو عليه من كفرٍ أو بدعة أو جهل.

إذ كان عليه أن يسارع في طلب الإسلام، ومعرفة الحق، ومعرفة شرائع الإسلام، ويهتم لذلك كما يهتم لرزقه. 

ويُحمَّل العلماء وطلبة العِلم، اللوم إذا قصَّروا في واجبهم في دعوة الناس إلى الحق، وتنبيههم، وتذكيرهم، وتحفيزهم على اتباع الحق.

فكلا الطرفين مُلامٌ إذا قصَّر في القيام بواجبه الديني.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

والله أعلم وأحكم.

تأويل حديث: "وأنت الباطن فليس دونك شيء"

تأويل حديث: " اللهمّ أنتَ الأوّلُ فليسَ قبلكَ شيء ، وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدكَ شيء ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقكَ شيء ، وأنت الباطنُ فليسَ دونكَ شيء" اهـ

فقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء": أي أنت أول الأشياء، فليس هناك شيء وجد قبل الله أو مع الله. وهذا كناية عن أزليّته.
وقوله: "وأنت الأخر فليس بعدك شيء": أي: ليس يبقى بعدك شيء، لو كانت كل الاشياء تفنى، وهذا كناية عن أبديته. وأنه الحي الذي لا يموت.
وقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء"، الظاهر من الظهور، وهو البروز، والمراد به هنا العلوّ، لأنه قال: "فليس فوقك شيء" أي: لا يعلوك شيء، والنفي هنا مطلق غير مقيّد ولا مخصّص، فدل على أن المراد بالظهور هنا ظهور الذات والقدر والقهر والغلبة والسلطان.
وقوله: "وأنت الباطن فليس دونك شيء": اي: لا يخفى عليك شيء من أمور عبادك، والعرب تقول: ليس دون فلانٍ سِرّ، اي: لا يخفى عليه سِرّ. وقوله: "الباطن". أي: من الاستبطان، وهو الدخول في باطن الشيء، والدخول هنا بمعنى دخول الله تعالى بعلمه في بواطن الأشياء، فلا يخفى عليه منها شيء.
وليس معناه: ليس تحته شيء. فباطن الشيء، هو داخله، فالله داخل بين الأشياء بعلمه، وأما التحت، فهو السّفّل، فبين الكلمتين فرق كبير، فتنبه.

مسألة رضاع الكبير

 ومختصر الحديث: أن أبا حذيفة بن عتبة، تزوج في الجاهلية امرأتين، ثبيتة بنت يعار الأوسيّة، من أوس المدينة، وسهلة بنت سهيل العامريّة القرشيّة، وقد أخطأ من نسب سهلة إلى الأنصار، فهي قرشيّة وليست أنصاريّة.

وكان لثبيتة غلام صغير، يدعى سالم، وهو من سبي فارس، من أهل اصطخر، فكان سالم يدخل وهو صغير على سيدته وعلى سيده أبو حذيفة، وعلى سهلة بنت سهيلـ يخدمهم، وكان يدخل على ثبيتة وسهلة وهُنّ فُضُل، أي: متبذلات في لباسهن، لأنه صغير، ولم يكن يرينه إلا مثل ولدهن، لما يقوم به عليهن من الخدمة، وكان ذا خُلُق وحياء، فأحبه أبو حذيفة وزوجاته حبّاً شديداً، فأعتقته ثبيتة سائبة، يتولّى من شاء، فبقي معهم، فتبنّاه أبو حذيفة وجعله ابناً له، فكان يدعى: سالم بن أبي حذيفة، واسلم سالم مع أبي حذيفة، وهاجر إلى المدينة، وكان قد بلغ الخامسة عشر أو أكثر من ذلك، وزوجه أبو حذيفة من ابنة أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة، ويظهر أن زواجه منها وقع قبل السنة الخامسة للهجرة، فلما نزلت آية تحريم التبني، ترك الانتساب إلى أبي حذيفة، وصار أخاً له في الإسلام، ويظهر من الأخبار، أن أبا حذيفة طلّق ثبيتة، فبقي سالم مع أبي حذيفة، أبوه بالتبنّي ومع سهيلة، ولما كان سالم منذ صغر سِنِّه، يدخل على زوجات أبي حذيفة وهُنّ فًضُل، كان قد تعوّد على ذلك، فلم يكن سالم يستنكر أن يدخل على سهلة وهي فُضُل، ولا كانت هي تستنكر ذلك، لأنها قد تعودت عليه منذ صغره، ولم تكن تراه إلا ابناً لها. فرأت كراهة ذلك في نفس أبي حذيفة، فذهبت تستفتي النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه، وتقول له: "كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ، وَأَنَا فُضُلٌ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ، فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ؟" رواه مالك في الموطأ، فقال لها النبي: "أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب ما في نفس أبي حذيفة". قالت: وكيف أرضعه؟ وهو رجل كبير. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "قد علمت أنه رجل كبير". فأرضعته، فذهب ما في نفس أبي حذيفة، من شأن دخول سالم عليها. (رواه مالك في الموطأ ومسلم في صحيحه وغيرهما).

قلت: وقد أجمع الصحابة وأمهات المؤمنين على أن هذه الرضاعة رُخصة لسهلة بنت سهيل، من دون الناس، وان الرضاع الذي يحرم، ما كان في الحولين فقط. (رواه مالك في الموطأ وغيره)

عن زينب بنت أبي سلمة أخبرته؛ أن أمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: والله! مانرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة. فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة. ولا رائينا. (رواه مسلم).

إلّا عائشة رضي الله عنها، فإنها اعتبرت ذلك رخصة لجميع الناس، روى مالك في موطأه عن عروة أنه قال: "فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَبَنَاتِ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ".

قلت: ولم تكن عائشة رضي الله عنها لتجرأ على أن ترسل رجالاً كباراً لأخواتها، وإن كانت ترى في ذلك رخصة، لأن نساء العرب لم يكن يجرؤن على ارضاع الكبير وهن في الجاهلية، فكيف في الإسلام، لذلك كانت عائشة ترسل صبية يافعين لأخواتها ليرضعنهم، والصبي اليافع هو ما بين ثلاث سنين إلى اربعة عشر سنة، أي: لم يبلغ سِنّ الاحتلام.

روى مسلم في صحيحه، عن زينب بنت أم سلمة. قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟.

فالشاهد من هذا الحديث، هو قولها: "الغلام الأيفع" فدلّ هذا على أنها إنما ترسل أغيلمة يافعين، لا رجالاً محتلمين.

والقول الفصل في هذه المسألة، هو قول جميع الصحابة وجمهور أمهات المؤمنين، وهو أن رضاعة الكبير رخصة لسهلة بنت سهيل، وأن الرضاع الذي يحرم هو ما كان في الحولين، حتى أن سالم بن عبدالله بن عمر، لم يؤذن له في الدخول على عائشة، مع أنها أرسلته لأخواتها لإرضاعه، لأنه لم يتم الرضاعة التي يحرم بها الصبي، مع أنه رضع من أم كلثوم في الحولين.

روى مالك في موطأه عن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر، أخبره أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به، وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، فقالت: «أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي»، قال سالم فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث رضعات، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات.

فعمل الناس من زمن الصحابة وما بعده على أن رضاع الكبير رخصة لسهيلة بنت سهل، وأن الرضاع الذي يحرم هو ما كان في الحولين لجميع الناس.

وذهب بعض أهل العِلم، إلى أن هذه الرخصة تشمل كلّ من كانت حالتهم مثل حالة سهلة وسالم، بحيث اشترطوا لذلك: أن يكون الراضع، قد تربى منذ صغره في بيت المُرضِع، بحيث يكون وكأنه ابنٌ لها، وأن يكون لا بد من دخوله عليها، للخدمة، وأن لا يكون لهم إلّا بيتٌ واحدٌ يتشاركونه.

والله وحده أعلم وأحكم.

مسألة شُرب أبوال الإبل للتداوي

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: - قَدِمَ علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَفَرٌ مِن عُكْلٍ، فأسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فأمَرَهُمْ أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِن أبْوَالِهَا وأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وقَتَلُوا رُعَاتَهَا، واسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بهِمْ فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وأَرْجُلَهُمْ وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حتَّى مَاتُوا.

وفي رواية: " ثُمَّ أُلْقُوا في الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَما سُقُوا حتّى ماتُوا".

قوله: "عًكْل" وهم حيُّ من العرب، وهم بطن من الرَباب من تميم، وكانت منازلهم شرق نجد مما يلي العارض، وفي رواية: "من عُرينة" وعرينة بطن من بَجيلَة، وكانت منازل بَجيلة بنواحي بيشة، إلا أن بني عُرينة هؤلاء، كانوا قد خرجوا من قومهم في الجاهلية، وحالفوا بني عامر بن صعصعة من هوازن، وكانوا يقيمون مع بني عامر بعالية نجد، محادّين لبني تميم، وأكثر الروايات على أن هؤلاء الرهط من عُكْل، وليسوا من عُرينة.

وقوله: "فاجتووا" أي: لم يناسبهم هوائها، فمرضوا بها، وأصابتهم الحُمَّى.

وقوله: "فاشربوا من أبوالها وألبانها" البعض يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ هذا الدواء بوحي من الله تعالى، ولكن الصواب أنه إنما أخذ ذلك مما تعارف عليه حكماء العرب قديماً، حيث أنهم اكتشفوا أن أبوال الإبل وألبانها تفيد من أمراض عديدة، من خلال التجربة والبرهان، ذلك أن الإبل، كانت تأكل من جميع أنواع الأعشاب، فيكون في الأعشاب من الدواء ما يجتمع في أبوال الإبل وألبانها، إضافة إلى ما رُكِّبَت عليه أجساد الإبل، من قوّة المناعة، فإن هذا كله، يؤثَِر في ألبانها وابوالها، فيكون فيها شفاء للعديد من الأمراض. لذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم العُكْلِيِّين، بالدواء الذي تعارف عليه حكماء العرب بالتجربة والبرهان. وليس هذا خاصّاً بأبوال الإبل، بل حتى أبوال البقر والغنم.

وهذا ما أثبته الأطباء قديماً وحديثاً.

 قال ابن سينا في كتاب القانون في الطب في علاج الاستسقاء: "وأنفعُ الأبوال، بَوْل الجمل الأعرابى، وهو النجيب.. " اهـ

وقال: "وبول الجمل شديد النفع من الخشم ويفتح سدد المصفاة بقوة شديدة جداً .." اهـ

وقال: "وبول الجمل ينفع في الاستسقاء وصلابة الطحال لا سيما مع لبن اللقاح" اهـ

وقال: ".. وربما سقوا من ألبان الإبل الأعرابية وأبوالها وخصوصاً في الأبدان الجاسية القوية وخصوصاً إذا أزمن سوء القنية وكاد يصير استسقاء. وربما سقوا أوقيتين من أبوال الإبل من سكنجبين إلى نصف مثقال أو أكثر وكذلك في أبوال المعز" اهـ

وقال: "وقد يخلط بأبوال الإبل وقد يقتصر عليها طعاماً وشراباً وقد يضاف إليها طعام غيرها". اهـ

وقال في علاج أمراض الطحال: "يؤخذ منه كل يوم درهمان ويتبع ببول والانتفاع بألبان الإبل وأبوالها شديداً جداً". اهـ 

وقال: "يؤخذ منه ملعقة ببول الإبل أو بول البقر أو قشور الكبر أربعة دراهم راوند طويل درهمين بزر الفنجنكشت والفلفل من كل واحد ستة دراهم يتخذ منه اقراص". اهـ

أما حديثاً، فقد قام عدّة أطباء عرب باكتشاف فوائد علاجية في أبوال الإبل وألبانها، عبر دراسات استمرت عدة سنوات، حيث أكتشفوا أن لأبوال الإبل خواص قد تكون مفيدة في علاج مرض السرطان، أجارنا الله وإياكم من كل سوء، وهم: 

أ.د. أحمد عبدالله أحمداني، عميد كليّة المختبرات الطبيّة بجامعة الجزيرة السودانية، السودان.

أ.د. رحمه علي العليّاني، من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، السعودية.

د. عبدالقادر الحيدر، أستاذ في كلية الطب، من جامعة الملك سعود، السعودية.

د. محمد أوهاج محمد، دكتوراه في الكيمياء الحيوية الطبية و ماجستير التعليم الطبي، في جامعة بيشة، السعودية.

د. أحلام أحمد العوضي، أستاذ مشارك الميكروبيولوجي، بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، السعودية.

كما قام فريق من جامعة الباني بالولايات المتحدة الامريكية بقيادة الدكتور شاكر موسى باكتشاف الخصائص العلاجية التي اكتشفها الباحثون السابقون.

ولكن بعض التجارب تفيد عدم صلاحية بول الإبل لعلاج مرض السرطان، نظراً لأن نِسَب المواد العلاجية في بول الإبل قليل جداً، أقلّ مما يحتاجه مريض السرطان.

فيظهر أن بول الإبل، يصلح لعلاج بعض الحالات غير المستعصية، مثل الحُمَّى، خصوصاً وأن الذين أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم لشرب بول الإبل، كانوا مصابين بالحمّى.

كما أن النبي لم يأمر بشرب أبوال الإبل وحدها، بل بشرب أبوال الإبل وألبانها.

لذلك إذا استخدم مريض أبوال الإبل وحدها، أو استخدم أبوال الإبل وألبانها في غير الحمى، ولم يفده في علاج مرضه، فلا يلومن إلا نفسه.

وكان نساء العرب يغسلن رؤوسهنّ بأبوال الإبل، لأنها تكون في مقام الصابون، كما أنها تقوّي الشعر، وبما أن لأبوال الإبل رائحة زكيّة، بخلاف أبوال البقر والغنم، فإنها كانت تعطي شعور النساء رائحة زكيَّة.

وقوله: "فقطع أيديهم وارجلهم وسَمَل أعينهم" سَمْل العين، هو فقعها، حيث تكوى بمسامير محمّاة، والسبب الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا بهم، هو أنهم ارتدوا بعد إسلامهم، وقتلوا نفساً مسلمة بغير حق، ونهبوا أموال المسلمين، وحاربوا الله ورسوله، وخوّفوا المسلمين، فنكّل بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ليكونوا عِبرَة لغيرهم.

وقوله: "لم يحسمهم حتى ماتوا" أي: لم يحسم نزيف الدم من أيديهم وارجلهم بعد قطعها، حتى هلكوا.

هل الله سبحانه وتعالى يُرى في المَنام؟

والجواب:

نعم، الله سبحانه وتعالى يُرى في المنام.

وهذا ثابت بالسنّة النبويّة الشريفة، ومن خلال الواقع، أيضاً.


ويُرى عزّ وجل على حالتين:


الحالة الأولى: يُرى سبحانه وتعالى في صورة القمر بدراً وله نورٌ ساطع.

ولا يوجد دليل شرعي صريح على ذلك.

ولكن، روي عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّىٰ أَرَاهُ"؟.

• وفي رواية: "رَأَيْتُ نُوراً". رواه مسلم.

واختلف ما مراد النبي بهذه الرؤية، هل هي رؤية منام، أم أنها رؤية حقيقة وقعت له ليلة الإسراء إلى السماء.

فقد روى الترمذي في جامعه: عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا أسير في الجنة، إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ، قلت للملك: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، قال: ثم ضرب بيده إلى طينة فاستخرج مسكا، ثم رُفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما ": 

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن أنس.

فلا يُدرى ما عَنَى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فرأيت عندها نوراً عظيما" فقوله: "عندها" ينفي أن يكون هذا النور ساطع منها، لذلك يُعتقد، أن هذا النور الذي رآه النبي هو نور الله تعالى المنبعث من ذاته، وأن هذا ما عناه بقوله لأبي ذر رضي الله عنه: "رأيت نورا" أو "نورٌ أنّا أراه.

لذلك المرجع في معرفة كون الله تعالى يرى في المنام على صورة القمر بدراً، إنما هو التجربة.

ولن يعجز الرائي أن يميّز بين ما هي رؤيا حق، أو رؤيا من الشيطان، بحسب ما تفيده الرؤيا التي رآها الشخص، وما يفهم منها.

وأعرف شخصان رأوا الله في هذه الصورة، أحدهما أعرفه معرفة تامّة، والأخر تربطني به علاقة وثيقة، وأعرف صدقه وأمانته، أحسبه والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا، لكن هذا عِلْمي به، والله أعلم به.

ولكل راءٍ، لرؤياه سبب أوجبت رؤيته لله تعالى على تلك الصورة، مما يؤكد صحة ما رآه.

والذين رأوا الله عز وجل على هذه الهيئة، قالوا بأنهم رأوا شيئاً شبيهاً بالقمر، مستدير، ولكن ليس فيه محو، كما هو حال القمر، بل كله أبيض شديد البياض، وضوؤه شبيه بضوء القمر، إلا أنه أشدّ سطوعاً وأبهى ضوءاً، وضوؤه يغمر المكان، لا تحدّه الأشياء، وليس له ظلّ.

فهنا نعلم أن الله تعالى وتقدس، تجلّى للرائي في صورة تشبه صورة القمر بدراً.


الحالة الثانية: شاب أمرد وسيم.

وقد ورد في ذلك دليل من السنّة.

فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، قال – القائل هنا ابن عباس - أحسبه قال في المنام، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها – وفي رواية: برد أنامله - بين ثديي أو قال: في نحري، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض" .. الحديث 

رواه الترمذي بسند حسن.


فقوله: "فوضع يديه بين كتفي، حتى وجدت بردها أو برد أنامله بين ثديي" دليل على أن الصورة التي رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربّه فيها، في تلك الرؤيا، كانت تشبه صورة إنسان.


وعن عبدالله بن عباس، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " رأيت ربي جعدا أمرد عليه حلة خضراء "

وفي رواية: " أنه رأى ربه، عز وجل، شابا أمرد جعدا قططا في حلة خضراء ".

وفي رواية: " رأيت ربي، عز وجل، في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر "

وفي رواية: " رأى ربه جل ثناؤه جعدا قططا أمرد في حلة حمراء ".


وقوله: "في حلة حمراء" وهمٌ من الراوي، والصواب كما ورد في باقي الروايات.


وهذا الحديث حديث صححه أهل العلم، وقبلوه.

وممن صحّحه:

الإمام أحمد بن حنبل، ورد ذلك في كتاب المنتخب من علل الخلال لابن قدامة المقدسي. وذكر ذلك أبو يعلى في إبطال التأويلات.

وأبو زرعة الرازي، والطبراني، وأبو الحسن بن بشار، وابن صدقة، ذكر ذلك أبو يعلى الحنبلي في إبطال التأويلات.

ولم يضعّف هذا الحديث سوى المعطلة من المفوضة والمتأولة، مثل ابن الجوزي والسبكي، ومن تأثر بهم من مميعة السلفية مثل الذهبي، وهؤلاء لا عبرة بقولهم، ولا قيمة لحكمهم.

وروى أبو يعلى عن سليمان بن أحمد أنه قال: سمعت ابن صدقة الحافظ، يقول: من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق".

وروى أبو يعلى عن البرذعي، أنه قال: سمعت أبا زرعة الرازي، يقول: من أنكر حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " رأيت ربي، عز وجل، " فهو معتزلي".

وروى أبو يعلى عن أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم، يقول: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، صلى الله عليه وسلم: " رأيت ربي " الحديث، فقال أحمد بن حنبل: هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فمن شك في ذلك أو في شيء منه فهو جهمي لا تقبل شهادته، ولا يسلم عليه، ولا يعاد في مرضه.


وعن أم الطفيل، امرأة أبي بن كعب، أنها قالت: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يذكر: " أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر، رجلاه في خضر، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب ".

وفي رواية: " رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه، في رجليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب ".

وفي رواية: " أنه رأى ربه في النوم في صورة شاب ذي وفرة، قدماه في الخضر، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب ".


وهذا حديث استنكره الإمام أحمد، وسبب استنكاره هو عدم معرفته بمروان بن عثمان أحد رجال سند هذا الحديث،

إلا أنه أمر بالتحديث به، لان متنه صحيح عنده، فحديث أم الطفيل وحديث ابن عباس يُصحّح بعضهما بعضاً.


بينما صحّحه أبو الحسن بن بشّار، وصححه أبو زرعة الرازي،  ذكر ذلك ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة.


قال أبو يعلى الحنبلي: " وأخرج إلي أبو إسحاق البرمكي جزءا فيه حكايات عن أبي الحسن بن بشار رواية أبيه أبي حفص، عن أبيه أحمد بن إبراهيم، قال: سألت الشيخ يعني أبا الحسن بن بشار عن حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس في الرؤيا، فقال: صحيح، فعارض رجل، فقال هذه الأحاديث لا تذكر في مثل هذا الوقت، فقال له الشيخ: فيدرُس الإسلام؟! فسكت".


قال أبو زرعة: " قال أبو زرعة: كل هؤلاء لهم أنساب قوية بالمدينة، فأما مروان بن عثمان فهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلي الأنصاري، وأما عمارة فهو ابن عامر بن عمرو بن حزم صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أبي هلال فلا يشك فيهما، وحسبك بعبد الله بن وهب محدثا في دينه وفضله".

فبيّن أبو زرعة أن مروان بن عثمان ليس مجهولاً، وبهذا ينتفي السبب الذين من أجله استنكر الإمام أحمد هذا الخبر لأجله.

لذلك قال أبو يعلى الحنبلي تعليقا على تصحيح أبي الحسن بن بشار لهذا الحديث: "فقد حكم بصحة الحديث، وقد يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد".

وعلّق أبو يعلى على قول أبو زرعة فقال: " وظاهر الكلام من أبي زرعة إثباتا لرجال حديث أم الطفيل، وتعريفا لهم وبيانا عن عدالتهم، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا لأن أبا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل في سننه ولم يتعرض للطعن عليه".

وروى أبو يعلى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ويذهب إليها وجمعها وحدثناها، وقد ذكر ذلك عبدالله بن حنبل في كتابه السنّة.

وروى أبو يعلى عن عبدالوهاب الورّاق أنه قال: سمعت أسود بن سالم يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية، قال: نحلف عليها بالطلاق والعتاق أنها حق.


وبطبيعة الحال، فقد ضعفه المعطلة، وهؤلاء كما قلت سابقاً، لا عبرة بأقوالهم، ولا قيمة لأحكامهم.


وجمع هذه الروايات أبو يعلى الحنبلي، في كتابه إبطال التأويلات، وهذا الكتاب، أي كتاب إبطال التأويلات، يشتمل على الغث والسمين، وهذه الأحاديث من الأحاديث السِمان التي اشتمل عليها.


وانظروا إلى قول الشيخ أبي الحسن بن بشار، عندما أراد منه رجل أن لا يحدث بهذا الحديث، فقال له: "فيدرُس الإسلام".


فهذا ما وقع من أكثر المنتسبين للمدرسة السنيّة السلفية، فغنهم لما أرعبتهم شقاشق المتكلمين، واجلبت عليهم الشياطين تخوّفهم وتشنّع عليهم، وتقبّح لهم رواية هذه الأحاديث، فسكتوا عنها، بل منهم من اجتهد في تضعيفها وتكذيبها، بدعوى أنها تسيء للمذهبن ووالله ما يسيء للمذهب غيرهم، وجنايتهم على الغسلام بذلك عظيمة، فقد أعانوا على دروس الإسلام والسنّة، وانتشار البدعة والضلالة.


حتى أبو يعلى الحنبلي، في كتابه ابطال التأويلات، يأتي بغرائب، وذلك بسبب اطراحه على المتكلمين وتلقيه العِلم عنهم، ومجالسته لهم، فيتأول الأحاديث على غير تأويلها.


وأما بالتجربة، فأنا أعرف شخصاً معرفة تامّة رأى الله تبارك وتعالى في صورة شابٍّ أمرد.


وكذلك سمعت أحدهم في بثٍّ مع أحد المعبِّرين، يقول بأنه راى الله تبارك وتعالى في صورة رجل عظيم الخِلقَة.


وقد سمعت ايضاً لإحدى النساء، في بثٍّ مع أحد المعبِّرين، تحكي أنها رأت الله تعالى في المنام، ولكنها لم ترى له صورة ولم تقابله، بل قالت بأنه كان يخاطبها عن طريق الإيحاء بلا صوت وبينه وبينها شجرة، كأنها حجاب بينه وبينها، لذلك هي لم ترى الله تعالى، ولكنها شعرت بوجوده، وحديثه معها عن طريق الإيحاء.


ومنهم من خاطبه الله تعالى بصوته، وهذا وقع للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغني أن أحداً سمع صوت الله تعالى في منامه.


فهذه هي الهيئات التي يُرى فيها الله تبارك وتعالى في المنام.


وقد سمعت لأحدهم يقول: بأن الله يرى في صورة خُضْرَة أو مياهاً تجري.

والجواب على ذلك: أن هذا غير صحيح، ولم يرد في السنة الصحيحة شيء من ذلك.

روى ابن أبي حاتم في تفسيره: عن أبي العالية قال: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نهرا، ورأيت وراء النهر حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا لم أر غير ذلك».

وهذا حديث ضعيف، وهو مرسل، لأن أبا العالية لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم.

ويظهر أن من قال بأن الله يرى في المنام خضرة أو مياهاً تجري، استند على هذا الحديث.

وإن صحّ هذا الحديث، فإن النبي في هذا الحديث لم يرى الله خُضْرة أو مياهاً تجري، بل رأى نور الله تعالى.


ولكن في هذا الحديث لم يبيّن هل رآه يقظة ليلة الإسراء إلى السماء، أو رآه مناماً.


وبالإجماع، فإنه لا يمكن رؤية الله تعالى إلا بعد الموت، وعلى هذا أدلة من القرآن والسنة.


فالدليل من القرآن، هو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَـٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكࣰّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقࣰاۚ فَلَمَّاۤ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الأعراف ١٤٣]


والدليل من السنة، هو قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الدجّال:

" تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ" اهـ

رواه مسلم.


ولكن هل رؤية الله تعالى بذاته في المنام ممكنة؟

كثير من أهل العلم يقولون أنه مجرّد مثال أو خَيَال أو حجاب، أو نحو ذلك، 

ولكن هذا فيه نظر، لأنه في حديث ابن عباس، أن النبي قال: "رأيت ربي في أحسن صورة" وأن الله قال له: "فيما يختصم الملأ الأعلى".

وفي حديث الشاب الأمرد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ربّي".

فظاهر الأحاديث أن رؤية الله في المنام ممكنة، وأن الله تعالى يتهيأ في مخيلة العبد في صور شتّى.

ثم يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: هل يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم، سوف يصف ذلك المثال أو الخَيَال أو الحجاب، بأنه ربّه.

فدلّ ذلك على أن رؤية الله تعالى نفسه لا شيء غيره في المنام جائزة.

ولا يوجد في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك، بل الأدلة الشرعية على جواز وقوعه، فالأدلة الشرعية إنما وردت بنفي رؤية الله في اليقظة عياناً في الدنيا.

وأما احتجاج أهل العلم على عدم رؤية ذات الله تعالى في المنام، بأن الله تعالى لا يماثله شيء ولا يشبهه شيء، بأي وجهٍ من الوجوه، واستدلالهم على ذلك، بقوله تعالى: "ليس كمثله شيء" وقوله تعالى: "هل تعلم له سميّا" 

فهذه الآية، قد بيّنت في كتابي: صفات الله عز وجل بفهم العرب الأمّيين الذين أنزل الوحيان بلغتهم. أنه لا تعني ما ذهبوا إليه، من عدم وجود تشابه بين صفات الله تعالى وصفات خلقه. بل الأدلة الشرعية قاطعة بوجود هذا التشابه في المعنى وفي الكيف أيضاً.

ولكن علماء أهل السنة، قومٌ أرعبتهم شقاشق المتكلمين.

حتى صاروا يخافون من إثبات التشابه بين صفات الله وصفات خلقه في المعنى والكيف.

مع أن الأدلة الشرعية قاطعة بذلك!

ولكنه الخَوَر والجُبْن.


والله الهادي إلى سواء السبيل.

والله وحده أعلم وأحكم.


مصادر تلقّي العلوم الشرعيّة

مصادر تلقي العلوم الشرعية لا تخرج عن مصدرين:

القرآن الكريم

والسنة النبوية

والتي هي عبارة عن شرح لما أجمل حكمه أو اشتبه معناه في القرآن الكريم.

والسنة النبوية، هي كل خبر مرويٍّ عن النبي (ص) من أقواله أو أفعاله أو تقريراته.

وأما القياس والإجماع فهما يقومان أساساً على هذين المصدرين، فأي قياس أو إجماع يخالف ما نصّ عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، فهو قياس فاسد وإجماع باطل.

فأما القرآن الكريم، فهو محفوظ بحفظ الله تبارك وتعالى له.

قال تعالى في سورة الحِجر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)

فالقرآن الكريم نصّ قطعي الثبوت.

وأما السنة النبوية، فقد أوكل الله تبارك وتعالى حفظها لعباده.

فتجد فيها الصحيح والحسن والضعيف والضعيف جداً والموضوع والشاذ والمنكر.

ولا ترتقي السنة النبوية إلى درجة قطعيّة الثبوت، إلا إذا توفّر فيه ثلاث شروط:

الشرط الأول: صحة الإسناد، بأن يكون جميع رواة سند الخبر المروي عن النبي (ص) كلهم ثقات.

والشرط الثاني: أن لا يتعارض الخبر المروي عن النبي (ص) مع القرآن الكريم تعارضاً لا يمكننا معه الجمع بينهما.

فإذا تعارض مع القرآن الكريم، أسقِط الحديث، وحكم بشذوذه.

والشرط الثالث: أن لا يتعارض مع خبر صحيح أخر، فإذا تعارض مع خبر صحيح أخر، نُظِر إلى أقواهما إسناداً، أو أكثرهما تواتراً في سنده أو معناه، أو من له شواهد تشهد له من الأخبار الحسنة أو الضعيفة، فعندئذٍ يقدم أقواهما إسناداً أو أقواهما متناً، ويُسقَط الأخر، ويُحكم بشذوذه.

ويُصَنَّف الخبر الصحيح الذي توافرت فيه الشروط الثلاث: بأنه خبر مقبول، بينما من لم تنطبق عليه أحد هذه الشروط الثلاث أو أحدها، بأنه خبر غير مقبول.

وأما الأخبار الحسنة، وهي الأخبار التي في اسانيدها راو أو أكثر دون الثقة في الحفظ والإتقان، فلا تقبل إلا إذا توفرت فيها ثلاث شروط:

أولها: أن لا يتعارض مع القرآن معارضة لا يمكننا معه الجمع بينها.

وثانيها: أن لا يتعارض مع الأخبار الصحيحة المقبولة، معارضة لا يمكننا معه الجمع بينها.

وثالثها: أن لا يتعارض مع خبر حسن أخر، فإن تعارض مع خبر حسن أخر، نُظِر إلى أقواهما إسناداً، أو أكثرهما تواتراً في سنده أو معناه، أو من له شواهد تشهد له من الأخبار وإن كان في أسانيدها ضعف، فعندئذٍ يقدم أقواهما إسناداً أو متناً، ويُسقَط الأخر، ويُحكم بنكارته.

ويُصَنَّف الخبر الحسن الذي توافرت فيه الشروط الثلاث: بأنه خبر مقبول، بينما من لم تنطبق عليه أحد هذه الشروط الثلاث أو أحدها، بأنه خبر غير مقبول.

وأما الأخبار الضعيفة الإسناد، فلا يؤخذ منها إلا ما شهد القرآن الكريم والأحاديث النبوية المقبولة، بصحة المتن.

لذلك قد نجد في الأخبار الضعيفة، أخبار مقبولة، وأخبار غير مقبولة.

وأما الأخبار التي أسانيدها ضعيفة جداً، أو موضوعة، فلا يؤخذ منها شيء، بل تصنّف مباشرة على أنها أحاديث غير مقبولة.

فالأخبار المقبولة، تشتمل على أخبار صحيحة وحسنة وضعيفة.

بينما الأخبار الغير مقبولة، تشتمل أيضاً على أخبار صحيحة وحسنة وضعيفة، بالإضافة إلى الضعيفة جداً والموضوعة.

فالمعتمد عليه في فهم الشريعة هي الأحاديث المقبولة، والتي تعتبر شارحة ومبيّنة لما أجمل حكمه أو اشتبه معناه في القرآن الكريم.

وأما ما روي عن الصحابة، وهي الأخبار الموقوفة، فيجب تطبيق الشروط السابقة عليه، وزيادة على ذلك، أن لا يتعارض ما روي عن الصحابي ما ثبت عن النبي (ص) فإنا تعارضا، قُدِّم الحديث المرفوع.

لأن الصحابي قد يفتي برأيه في مسألة من مسائل الشريعة فيخطئ، أو ربما ينقل عن أهل الكتاب، فيما يخص أخبار بدء الخلق وسير الأنبياء.

وأما ما روي عن التابعين، وهي الأخبار المقطوعة، فيجب تطبيق الشروط السابقة عليه، وزيادة على ذلك، أن لا يتعارض قول التابعي، مع ما ثبت عن النبي (ص) ولا يتعارض مع ما ثبت عن الصحابة، فإن تعارض، قدم الخبر المرفوع والخبر الموقوف، على خبر التابعي.

ومثلهما تابعي التابعين، على هذا المنهج.

وهذه الطبقات الثلاث هي القرون المفضلة الأولى التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

النبي (ص) وصحابته رضوان الله عليه، قرن. 

والتابعين، قرن.

وتابعي التابعين، قرن.

وأما من جاء بعدهم، فهو أسوة بقيّة من جاء بعد تابعي التابعين من العلماء.

وأما الرأي، فأهل الحق والبصيرة لا يرجعون إليه إلا في أضيق الحالات، في مسألة حادثة لم يرد نص صريح من الكتاب والسنة بالبتّ فيها، فعندئذ يقيسون هذه المسألة على ما يشبهها في القرآن أو السنة، وإذا أجمع أهل العلم – وهم أهل السنّة فقط – في ذلك الزمان، على قياس مسألة أُخِذ به.

وأما الكلام والفلسفة فأهل الحق من أبعد الناس عنه، فالشريعة إنما هي أمر ونهي، وترغيب وترهيب، وإخبار، بفهم العرب الأميين الذين أنزل الوحيان بلغتهم، فلا مجال للكلام والفلسفة والشقشقة في هذه الأمور.

وهذا المنهج في التلقي، هو المنهج الذي يدلك على سبيل الله عز وجل، الذي من سلكه نجى بإذن الله يوم القيامة.

وهنا تنبيهات: 

الأول: أن المعتمد في نقد الأخبار ونقد رواتها هم ائمة السنة الأوائل، أعني بذلك، الجيل الذي أسس لعلم الحديث والرجال، وأول من ألف في الحديث والتراجم والسير، والجرح والتعديل، أخرهم كان الدارقطني المتوفى سنة 385هـ. وأما من جاء بعدهم فمتطفلون، ولا قيمة لهم.

والثاني: أننا في هذا الزمان، أقدر من أئمة السنة الأوائل في نقد الأخبار، والسبب في ذلك، يعود إلى أنه قد أجتمع إلينا من علمهم مالم يجتمع لأفرادهم، فقد يعدل أحد الأئمة رجلاً يكون قد تبيّن عند أخر أنه مجروح، وقد يصحح أحد الأئمة حديثاً، يكون عند الأخر معلولا، فنحن لا نخرج عن أقوالهم، ولكن نقارن بينها، وننتقي منها.

والثالث: ليس قولي بأن الأخبار تعرض على القرآن الكريم من جنس قول المتكلمين، الذي يدعون أنهم يعرضون الأخبار على القرآن الكريم، فإذا ما تعارض معها أسقطوا الخبر، لأن هذا منهم ادعاء كاذب، وتلبيس وتدليس وتحايل، لأنهم في الحقيقة لا يعرضون الأخبار على القرآن الكريم، بل يعرضون الأخبار والقرآن نفسه على شقاشق أئمتهم ملاحدة الإغريق، فإنا تعرض النصّ القرآني مع شقاشق أئمتهم، حرفوا معناه، وتلاعبوا بقواعد اللغة العربيّة للوصول إلى ذلك، كادعاء وجود حذف في الآية، أو أنها مجرد مثال، ونحو ذلك، أو حرّفوا معنى الكلمة إلى معنى لا تحتمله ولا تعرفه العرب من كلامها، وإن تعارض الحديث مع شقاشق أئمتهم، سعوا إلى ضربه بالعلل، وإن كانت هذه العلل باطلة ومردودة، ولا يعتد بها في علم الحديث، أهم شيء أن يجدوا وسيلة للطعن فيه، والتظاهر بأن لديهم حجة في ذلك، فإن أعيتهم الحِيَل، اجتهدوا في تحريف معناه كما فعلوا بالنص القرآني.

والرابع: أن مصادر تلقي التاريخ الإسلامي فيما يخص بدء الخلق ونشأة الكون وسير الأنبياء وعلامات الساعة وأهوال يوم القيامة وصفة العوالم الغيبية، هي نفس مصادر تلقي العلوم الشرعية، والمنهج في نقد أخبارها، هو نفس المنهج المتبع في نقد أخبار الشريعة الإسلامية

والله الهادي إلى سواء السبيل

والله أعلم وأحكم.

نهر الكوثر وحوضه

عن حارثة بن وهب  قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحوض فقال: "كما بين المدينة وصنعاء".

وعن المستورد، أن النبي قال: "ترى فيه الآنية مثل الكواكب".

رواه البخاري ومسلم.

وعن عقبة بن عامر  قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: "إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه لما بين أيلة إلى الجحفة".

رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عمرو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر".

رواة البخاري ومسلم.

وفي رواية عند مسلم: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك".

وقوله: "زواياه سواء" أي: أن عرضه كطوله.  

 ‌أنس بن مالك  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء.»

رواه البخاري.

قوله: "كما بين أيلة وصنعاء" وهم من الراوي، فأكثر الرواة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كما بين أيلة والجحفة" وفي موضع أخر قال: "كما بين المدينة وصنعاء" والمسافة بين هذه المواضع متقاربة، فيظهر أن أحد الرواة سمع أن عرض الحوض كما بين أيلة والجحفة، أو كما بين المدينة وصنعاء، فاختلط عليهم الأمر فظن أنه سمع أن عرض الحوض كما بين أيلة وصنعاء.

وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أمامكم حوضا. ما بين ناحيتيه كما بين جربا وأذرح".

رواه البخاري ومسلم.

قوله: "بين جربا وأذرح" وهم من الراوي أيضا، لأن جربا وأذرح موضعان بالشام، قريب بعضها من بعض، وهو خلاف الأحاديث المتواترة معنا، والتي دلّت على أن عرض الحوض مسيرة شهر، تصريحا أو تلميحا، لأن المسافة بين المدينة وصنعاء قرابة مسيرة شهر، والمسافة بين أيلة والجحفة، قرابة مسيرة شهر.

وعن ‌عبد الله بن مسعود  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

‌وعن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا.»

و‌عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر».

قال البخاري: شط هدبة.

قلت: هدبة أحد رواة الحديث، لا يدري هل سمعه طينه أو طيبه.

وعن أنس؛ قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة. ثم رفع رأسه متبسما. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله! قال "أنزلت علي آنفا سورة". فقرأ " {بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر} " ثم قال "أتدرون ما الكوثر؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال "فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل. عليه خير كثير. و حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة. آنيته عدد النجوم. فيختلج العبد منهم. فأقول: رب! إنه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك"

رواه مسلم.

وفي رواية عن أنس قال: "ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء".

رواه مسلم.

وفي رواية عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكوثر؟ قال: "ذاك نهر أعطانيه الله - يعني في الجنة - أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيها طير أعناقها كأعناق الجزر". قال عمر: إن هذه لناعمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكلتها أنعم منها".

رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.

وعند أحمد في مسنده، أن قائل: "إن هذه لناعمة" أبو بكر وليس عمر بن الخطّاب، ومثل هذه الأوهام، تقع عادة من الرواة، ولا يؤثر مثل ذلك في صحة الخبر.

وقوله: "الجًزًر" جمع جَزور، وهو البعير.

وعن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! ما آنية الحوض؟ قال "والذي نفس محمد بيده! لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها. ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه. يشخب فيه ميزابان من الجنة. من شرب منه لم يظمأ. عرضه مثل طوله. ما بين عمان إلى أيلة. ماؤه أشد بياضا من اللبن. وأحلى من العسل".

رواه مسلم.

عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن. أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم". فسئل عن عرضه فقال "من مقامي إلى عمان". وسئل عن شرابه فقال "أشد بياضا من البن، وأحلى من العسل. يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة. أحدهما من ذهب والآخر من ورق".

رواه مسلم.

قوله: "لأهل اليمن" أي: الأنصار، لأنهم من اليمن، فهم من الأزد من قحطان.

وقوله: "يرفض عليهم" أي: يرفضّ الناس عن الحوض حتى يخلو لأهل اليمن، فيردون، ويشربون.

وقوله: "يغتّ" أي: يصبّ.

وعن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي حوض، يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة".

رواه الترمذي وقال: حديث غريب.

قلت: فهذه الأخبار بمجموعها، تدل على أن الكوثر نهر أعطاه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأن هذا النهر، يمد له ميزابان أحدهما من ذهب والأخر من ورِق، ويوضع له حوض في الأرض يوم القيامة، فيصب من ماء النهر في الحوض حتى يملأه، وتوضع فيه أواني من ذهب وفضّة، بعدد نجوم السماء كثرة، فيكون أول من يرد عليه هم الأنصار، ثم يرد الناس بعدهم.

وهذا الحوض، لا يعلم أحد متى يوضع على الأرض، وهل يوضع قبل الحساب أم بعده، ولكن قطعا أن هذا الحوض يوضع ويرد الناس عليه قبل أن يتساقط الكفار في النار، وقبل أن ينتقل المؤمنون إلى الظلمة ليصعدوا على الصراط، لأنه لا يتجاوز الصراط إلا ناجٍ، ولا يكون ناجٍ، إلا وقد شر بمن ماء الحوض، وأما القنطرة فلا يصل إليها إلا ناجٍ، والخبر يفيد أن ممن يريد أن يرد الحوض ليشرب منه، قوم من الكفار وعصاة المسلمين، فيذادون عنه، ويطردون عنه، لأن الله قضى أن لا يغفر لهم، وأنه معذبهم، وبما أنه سوف يعذبهم، فلابد أنهم سوف يظمئون، وليس أحد يرد الحوض ويشرب منه إلا لم يظمأ أبدا، ولذلك قلت: بأن هذا الحوض يوضع في الأرض ويرد الناس عليه، قبل أن ينتقل المسلمون إلى الظلمة ليصعدوا على الجسر.

الفرق بين النبي والكاهن

هنا مسألة: وهي: ما هو الفرق بين النبي والكاهن؟

أليس كلاهما يقول بأنه عنده كرامات! مثل: إظهار بعض خوارق العادات، والعِلم ببعض المغيّبات.

حتى أن كهنة الصوفية، يغرّون الناس بأن من دلائل صدق ولايتهم أنهم يظهرون بعض خوارق العادات ويعلمون ببعض المغيّبات.

فإذا أظهروا شيئاً من ذلك، قالوا: انظروا نحن عندنا كرامات تدل على صلاحنا!

إذاً كيف نفرّق بين النبي والكاهن؟

والجواب: هو بالنظر في حال كل واحد منهما.

فإن النبي لا يظهر ما عنده من كرامات، لينال بذلك حظاً من حظوظ الدنيا، بل كل عمله لله تعالى، فهو لا يدعو الناس إلى نفسه، بل يدعوهم إلى الله تعالى، ولا يبتغي بعمله جاهاً ولا مالاً.

بينما الكاهن على النقيض من ذلك، كل همّه هو أن ينال حظاً من حظوظ الدنيا، جاه أو مال. 

وهذا يذكرني بخبرين:

الأول: كان لأختي الكبيرة جارة من سوريا، وكانتا تتزاوران، فكان فيما كانت تحدثها به من أخبار بلادها في سوريا، أن قالت: إمام المسجد عِندنا في سوريا، إذا رجعنا إلى سوريا ولم نأتي له بهديه، يعمل لنا عمل تفريق! أي: يفرّق بينها وبين زوجها، لذلك يقومان بجلب هدية له حتى يكفّ شرّه عنهما.

فهذا صوفي يزعم كاذباً أن عنده كرامات، وهي كرامات شيطانية، لا رحمانية، وهمّه كله الدنيا، فإذا لم يعطوه مريديه من الدنيا غضب عليهم بل وأنتقم منهم بأن يفرق شمل الزوجين! فهل كان النبي يفعل ذلك؟! 

والثاني: ما رواه الشيخ حامد آدم وكان كاهناً من كهنة الصوفية، بل أحد الأقطاب الأربعة في الطريقة التيجانية، ثم فاء إلى الإسلام، كان يقول: 

والثالث: ما أخبر به الشيخ علي بن عطا المنان، من أهل بلاد السودان، وكان مريداً صوفيّاً، من أنه كان مسئولاً عن الوقوف خلف الشيخ، الذي يسمونه: السيّد، فكان إذا ذكر الشيخ اسم شيخ الطريقة، رفع الشيخ علي المنان صوته قائلاً: عاش أبو هاشم عاش أبو هاشم، وأخذ الناس يرددون ورائهم. فعل ذلك ثلاث مرات، ويسمي الصوفية هذا بالتكبير! أي يكبرون شيخهم وسيدهم!

قال الشيخ علي المنان: "وفي المرة الخامسة أمسكت بالمايك ولا أدري من أين أتاني هذا ولكن بدل أن أقول: عاش أبو هاشم، قلت: لا اله الا الله، لا معبود إلا الله، وكررت هذا مرتين أو ثلاث فجاءني خليفة الخلفاء المقيم في الدائرة وأخبرني بأن السيد - أي الشيخ - يأمرك أن تتنحى من المنصة بعيد وأن لا تكبر".

قال الشيخ علي المنان: فأخذت أتفكر السيد لماذا طردني عن المايك، وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً، ثم لماذا السيد غضب من هذا الكلام؟! 

ثم اكتشفت في النهاية أن السيد إنما يريد أن تكون الولاية له وليس لله تعالى.

وهذا دليل أخر على أن كهنة الصوفية إنما يريدون الولاية لأنفسهم، وأن يكون الجاه لهم، وأن تفاض عليهم الأموال.

حتى أن بعضهم لا يعطيك يده لتنال من كرامتها المزعومة حتى تدفع مبلغاً من المال.

فهذا أيه الإخوة هو الفارق الكبير بين النبي والكاهن.

وهو الفارق بين صاحب الكرامات الرحمانية والكرامات الشيطانية.

والله سبحانه وتعالى إنما أعطى الأنبياء هذه الكرامات ليتبين للناس صدقهم فيما أدعوه من النبوّة، فيصدقوهم ويتبعوهم على الحق الذي جاءوا به. وإن لم ينل النبي من ذلك شيئاً من حظوظ الدنيا. فإنما ينتظر النبي الأجر من الله تعالى.

فالأولياء المزعومين، لأي شيء يعطون الكرامات! هل يعطون الكرامات ليصدقهم الناس فيما يدعونه من الولاية فيقدسونهم ويعظمونهم ويعطونهم الأموال؟!

قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي - رحمه الله -: قصر الليث - رحمه الله -، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب.

فكل من خالف القرآن العظيم، وصحيح السنة النبوية، فاعلموا أنه زنديق، وإن طار في الهواء ومشى على الماء، فليس كل خارقة للطبيعة كرامة.